Skip to main content

"بنات الناس" شكل آخر من أشكال العنصرية الموروثة في ليبيا


لم أتخلص حتى الآن من رهبة العبارة الأولى. لطالما أحببت الكتابة، لكن دائمًا ما واجهت مشكلة في التعبير بالفصحى، سواءًا لثقل بعض العبارات عند نقلها للفصحى أو قصورها التام عن نقل المعنى. حتى قرأت أول كتاب موسوم ببعض بالعاميَة المصرية. حينها عرفت أن أدب هذا العصر يحتوي الإختلاف ويتقبل العامية في صفحاته بعيدًا عن الأصالة المزعومة والتقيد بالمصطلحات الفصيحة أو الصور البلاغية البالية. في المختصر انصَبّ الاهتمام بالمحتوى وجمال التصوير كيفما كانت الكلمات المصاغة  لتصويره.

 لكن للأسف، لم يصل مجتمعنا الليبي لهذه المرحلة من التَّقبُّل.

نختلف، ونتفق على العنصرية
يدعوا "أبناء الناس" البورجوازيون كل ما يختلف عن مفهومهم للأصالة ب"شلافطي" ويدعوا "أبناء الناس" من الطبقة الكادحة كل من يتفوق عليهم طبقيًا ب"ابن تاتاناكي" ورغم اختلاف الطرفين والشد والقذف بينهم إلا أنهم يتفقون في استخدامهم لمصطلح "بنات الناس". قد يختلف تعريف المفهوم بين الطرفين ولكنهم يتفقون على إقصاء وتجاهل كل من لا تنصاع لهذا المفهوم غير عابئين بالتأثير المادي أو المعنوي الذي سيحدثه فعلهم هذا.

تقول إحدى بنات.. مش بنات الناس: "بدأ اطِّلاعي يزيد فور بداية المرحلة الثانوية، مازلت أذكر مكتبة المدرسة الصغيرة والتي كنت أراها حينها كمكتبة الاسكندرية القديمة! لم يكن لدي حينها المال أو الحرية الكافية للذهاب لمكاتب أكبر كمكتبة الظهرة لذا بالإمكان القول أن غياب صورة أخرى للمقارنة لم يكن واردًا لي لهذا لم أفهم أبدًا عدم إكتراث باقي الفتيات بهذا المكان رغم اهتماماتهم الممختلفة وسخريتهم المتواصلة! كانت هذه بداية تضاربي مع فكرة "بنات الناس" المتفاهم عليها".

يُصور هذا المشهد بطرق متعددة كل يوم في ليبيا، فبالنسبة للطرف الكادح والمؤيد بشدة للعادات والتقاليد، تتفادى فيه عائلة المُطلقة ذكر طلاقها غير مُدركين تكوينهم لعقدة نفسية داخل ابنتهم تستنكر فيها طلاقها وتنسى كونها الضحية لظنهم أنه عند ذكر ذلك وافتخارهم بموقف ابنتهم ، ستصير ابنتهم "مش بنت ناس".
أما الطرف البورجوازي المتأفف، يغرس في بناته كراهية "الشلافطيات" اللاتي يرتدن الأسواق الشعبية ويعشن تحت ضغط العادات والتقاليد والمُعنَّفات من قبل أسرهن ولا يستطعن بطبيعة الحال ارتياد المقاهي المعروفة ببرجوازية روادها لقضاء الوقت معهن، فما فائدة صديقة لا ترتاد معكِ مقهى O2 بحي الأندلس لمناقشة وجهة الرحلة الصيفية القادمة، فمن وُلدت لعائلة "شلافطية" مُعنِّفة تُنفى لكونها "مش بنت ناس".
ومما يتفق عليه الطرفان، الفتاة الليبية ذات أب أو أم غير ليبيين "بنت المصرية/ المغربية/ السودانية" هكذا تُنادى على غير مسمعها كأنه نوع من الإنتقاص كونها تنحدر في نظرهم من سلالة غير نقية! مجددًا، يراها المجتمع "مش بنت ناس".
تختلف الأمثلة وتتنوع، فكل من اختلفت سُمِّيَت "مش بنت ناس".

عقوبة مجتمع
ومن نُعِتت بهذا اللفظ حُكم عليها بفقدان الحقوق الإجتماعية المتعارف عليها في ليبيا. كمجرمي الحرب، تفقد بعضهن أحقيتها في الزواج، و تفقد مكانتها الإجتماعية في ليبيا وتصير سيرة على كل لسان، وعلى لسان أحد الأمثال الليبية "خود بنت أصول، راهو الزمان يطول" ويطول الزمان أضعافًا على النساء الليبيات في محاولتهن للتعايش مع معايير المجتمع وتنميطه.
أو تفقد بعضهن الفرص العملية والإحترافية التي يحتكرها البورجوازيون بين "لوبياتهم" -أي دوائرهم الإجتماعية وتُتجاهل دون النظر لشخصها أو امكانياتها.

تضيف "مش بنت الناس": "اختلفت حياتي عن قالب الحياة المُعتاد في ليبيا، ولأن الليبيين لا يعشقون الإختلاف ويقدسون العراقة، ومن ضمن محاولاتهم ل"تغطية عين الشمس بغربال" سعى الجميع لإخفائي أو تجاهل وجودي من الأساس، اشتدت هذه الحالة كلما كبرت في السن  حتى كدت لا أرى نفسي، صدى ما فعله المجتمع لازال يطاردني حتى الآن، فأسعد كالطفل عندما يذكرني أحدهم وأزن كثيرًا عندما أحس بالتجاهل حتى بعد أن نجحت في الخروج من ذلك المجتمع وبروز اسمي في مجال عملي وحياتي الإجتماعية. ما لم يفهمه المجتمع أن عدم انصياعي لمفهوم "بنات الناس" أو "الفالحة" أو "المتربية" لا يجعلني "خطأ" لا ينبغي التحدث عنه حتى!"..

Comments